العودة إلى المنشوراتتعليق

لماذا ينبغي لسوريا ألا تعيد الطاقة الرخيصة للقطاع الزراعي

3 آب 2026 · ألكسندر سي. غرينييه · 8 دقيقة قراءة · NSLS

لماذا ينبغي لسوريا ألا تعيد الطاقة الرخيصة للقطاع الزراعي

على مدى العام ونصف العام الماضيين، ألغت دمشق اثنتين من أكثر سياسات الدعم تكلفةً التي ورثتها عن النظام السابق. فقد جرى تحرير أسعار الديزل والبنزين بالكامل بحلول منتصف عام ٢٠٢٥، منهيةً بذلك دعماً كان يُبقي أسعار الوقود في سوريا أدنى بكثير من مستويات السوق. وتبع ذلك قطاع الكهرباء في أكتوبر، حين استُعيض عن التعرفة الموحدة والمدعومة بشدة بنظام تسعير شرائحي قرّب كبار المستهلكين من التكلفة الفعلية لتوليد الكهرباء. وقد كان كلا الإصلاحين مهماً من الناحية الاقتصادية، وغير شعبي سياسياً.

وقد تحمّل المزارعون تكلفة كلا الإصلاحين. فارتفاع تكاليف الكهرباء يضاف إلى الزيادة القائمة أصلاً في تكاليف الإنتاج التي يتحملها المزارعون السوريون، مع ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج وتراجع قيمة الليرة السورية أمام الدولار. وفي ظل هذه الزيادة في التكاليف، أثار قرار الحكومة السورية تحديد سعر شراء طن القمح لموسم ٢٠٢٦ عند ٤٦٠،٠٠٠ ليرة سورية جديدة — أي ما يعادل نحو ٣٣٠ دولاراً — احتجاجاً من المزارعين، الذين قالوا إن هذا السعر يعني خسارة تتراوح بين ٧٠ و١٧٠ دولاراً للطن. ورغم تدخل الرئيس أحمد الشرع استجابةً لمطالب المحتجين وإصداره مرسوماً يقضي بإضافة علاوة قدرها ٩٠،٠٠٠ ليرة سورية إلى سعر الشراء الحكومي، أي ما يقارب ٧٠ دولاراً للطن، لا يزال بعض المزارعين يطالبون برفع السعر إلى ٥٠٠ دولار للطن لتغطية تكاليف الإنتاج بالكامل.

وسيتعين الآن على دمشق — ووزارة الزراعة على وجه الخصوص — أن تقرر ما إذا كان المزارعون بحاجة إلى مزيد من الدعم، وما الشكل الذي ينبغي أن يتخذه هذا الدعم. وعند اتخاذ هذا القرار، ينبغي للحكومة أن تميز بين التدابير ذات التكلفة القابلة للتنبؤ، وبين أشكال الدعم التي ترتفع تكلفتها كلما ازداد استهلاك الكهرباء والديزل والمياه. وبدلاً من إعادة الدعم الواسع لمستلزمات الإنتاج، ينبغي لسوريا أن تفضّل تعديل أسعار شراء المحاصيل، والمدفوعات الثابتة، والدعم الاستثماري الموجه، بما يحمي دخول المزارعين من دون تشجيع زيادة استهلاك الموارد الشحيحة.

وتزداد أهمية هذا التمييز في ظل اتجاه عدد من المقترحات المطروحة حالياً نحو المسار المعاكس. فإلى جانب المطالب برفع سعر شراء القمح، يضغط المزارعون ومناصروهم من أجل توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي بأسعار مدعومة. وقد دعت حركة مستقبل سوريا، ضمن مجموعة من التوصيات السياساتية، إلى "حزمة دعم فورية... من خلال توفير مستلزمات الإنتاج... بأسعار مدعومة، وتخصيص كميات كافية من وقود الديزل للموسم الزراعي". كما دعت جمعية حماية المستهلك في سوريا إلى "إعفاء المعامل، ولا سيما في القطاع الزراعي، من رسوم الكهرباء، لأن الزراعة تعتمد على الطاقة في ضخ المياه والري وعمليات الاستخراج". وحتى بعض الاقتصاديين الذين يؤيدون الإصلاح الأوسع نطاقاً يرون ضرورة استثناء الزراعة منه؛ فقد قال الدكتور عبد الرحمن محمد، الاقتصادي في جامعة حماة، إن الكهرباء المستخدمة في القطاعين الصناعي والزراعي "يجب أن تخضع لسياسة مختلفة، لأن الكهرباء في هذه الحالة تُعد مدخلاً للإنتاج، وليست مجرد استهلاك". وتطلب هذه المطالب من دمشق، في واقع الأمر، أن تتراجع بالنسبة إلى القطاع الزراعي تحديداً عن إصلاح أنفقت رأس مال سياسياً حقيقياً لفرضه على بقية القطاعات.

وينبغي للحكومة أن تتردد قبل الإقدام على ذلك. فرفع سعر شراء المحاصيل مكلف، لكن تكلفته محدودة ويمكن تقديرها: تدفع الدولة مبلغاً أكبر لكل طن، ضمن محصول ذي حجم نهائي ومحدود. أما الدعم غير المحدود المرتبط باستهلاك الكهرباء أو الديزل، فتزداد تكلفته كلما ارتفع الاستهلاك. ولذلك تصبح تكلفته النهائية أكثر صعوبة في التنبؤ، فيما يؤدي انخفاض السعر الهامشي إلى تشجيع المزارعين على استهلاك المزيد من المدخل المدعوم.

وتنبع المشكلة البيئية من التصميم نفسه. فعندما تنخفض تكلفة الضخ، تشجع إعانات الطاقة المزارعين على زيادة الري، وحفر أو تركيب المزيد من الآبار، وزراعة محاصيل كان من الممكن أن تكون أقل جاذبية لو خضعت الأسعار لقوى السوق. وهكذا يغير الدعم قرارات الإنتاج بطريقة تزيد الطلب على المورد النادر الذي يرتبط به الدعم.

وقد خاضت الهند بالفعل هذه التجربة على نطاق وطني، إذ تنفق ما يقارب ٢ إلى ٢٫٢٥٪ من ناتجها المحلي الإجمالي على الدعم الزراعي. وأسهم توفير الكهرباء الرخيصة أو المجانية للقطاع الزراعي في دعم دخول المزارعين، لكنه شجع أيضاً على الاستخراج غير الكفؤ للمياه الجوفية وزراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه. ونتيجة لذلك، أصبح حجم سحب المياه الجوفية في الهند أكبر من حجم السحب في الصين والولايات المتحدة مجتمعتين.

وتوضح ولاية البنجاب كيف تغيّر هذه الحوافز سلوك المزارعين. ففي فبراير ١٩٩٧، استبدلت الولاية الرسوم الثابتة على الكهرباء بتوفير الكهرباء مجاناً للمزارعين، بصرف النظر عن حجم استهلاكهم. ووجدت دراسة نُشرت عام ٢٠٢١ قارنت بين البنجاب وولاية هاريانا المجاورة، التي أبقت على نظام التسعير الثابت، أن قرى البنجاب ركّبت عدداً أكبر من الآبار الأنبوبية الكهربائية وامتلكت قدرة ضخ أعلى بكثير، فيما انخفضت مستويات المياه الجوفية بوتيرة أسرع بنسبة ١٦٪. وبحلول عام ٢٠١٧، صُنّف ٨٠٪ من التقسيمات الإدارية في البنجاب ضمن المناطق الحرجة أو التي تعاني من الاستغلال المفرط للمياه، ووصل استخدام المياه الجوفية إلى ١٦٦٪ من معدل التغذية السنوي، وهو أعلى مستوى بين جميع الولايات الهندية.

وتصبح الآثار طويلة الأجل لهذه السياسات عكسية ومناقضة لأهدافها الأصلية. فرغم أن هذه الإعانات تهدف إلى تعزيز أمن دخل المزارعين وزيادة الإنتاج الزراعي، فإنها تضر بالإنتاجية الزراعية عبر استنزاف المورد نفسه الذي تحتاج إليه الزراعة للاستمرار. وقد وجدت دراسة وطنية أن كل انخفاض بمقدار متر واحد في مستوى المياه الجوفية يؤدي إلى تراجع إنتاجية القمح والأرز الشتويين بنسبة تتراوح بين ١ و٣٪، ويخفض إجمالي إنتاج المحاصيل الشتوية بنسبة تتراوح بين ٤ و٨٪.

وقد شهدت سوريا بالفعل كيف يمكن للدعم أن يسرّع استنزاف المياه الجوفية. فقد خلصت دراسة نُشرت عام ٢٠١٤ في مجلة (Journal of Hydrology) (علم المياه) إلى أن دعم سوريا لوقود الديزل — حيث وصلت الأسعار المحلية في بعض الأحيان إلى ٢٠٪ فقط من السعر العالمي — كان "أحد العوامل المهمة المحركة لاستنزاف المياه الجوفية". ووجدت الدراسة أن المزارعين السوريين تصرفوا بصورة عقلانية من منظور قصير الأجل، إذ خصصوا المياه ذات التكلفة المنخفضة اصطناعياً لإنتاج محاصيل مضمونة الشراء حكومياً، مثل القمح والقطن، واستخرجوا كميات قريبة من المستوى الذي يحقق أقصى ربح في ظل إشارة الأسعار التي واجهوها. وخلص مؤلفو الدراسة إلى أن "سلوك المزارعين ليس هو المشكلة، بل إن المشكلة تتمثل في السياسات الحكومية التي تخلق حوافز للمزارعين لاستخراج المياه الجوفية بمستويات غير مستدامة".

وتُمثل المياه الجوفية مثالاً تقليدياً على "مأساة المشاع": إذ يمتلك كل مزارع حافزاً لاستخراج المزيد من المياه على المدى القصير، رغم أن الإفراط الجماعي في استخدامها يترك الجميع في وضع أسوأ. ومن منظور المجتمع، فإن ترشيد استهلاك المياه يعزز الاستدامة على المدى الطويل. إلا أن دعم الطاقة يفصل بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية؛ فعندما لا يعود سعر ضخ المياه يعكس ندرتها الحقيقية، تختفي الإشارة الاقتصادية التي تكافئ المزارع الذي يحافظ عليها، ولا يبقى سوى تكلفة يتحملها من يمتنع عن الاستخراج بينما يسبق الآخرون إليه. وإضافة إلى ذلك، قد يؤدي ضعف نظام حيازة الأراضي في سوريا إلى تقليل الحوافز على الحفاظ على الموارد على المدى الطويل، إذ يكون ملاك الأراضي أقل ميلاً إلى الاستثمار في الحفاظ على الموارد عندما يعتقدون أن احتمال فقدان أراضيهم مرتفع.

وتزداد خطورة هذه الحوافز لأن سوريا لا تمتلك سوى قدرة محدودة للغاية على تحمل المزيد من استنزاف المياه الجوفية. فهي من بين الدول التي تعاني أعلى مستويات الإجهاد المائي في العالم، إذ تسحب ما يعادل ١٢٤٪ من مواردها المتجددة من المياه العذبة، مقارنةً بـ٣٤٪ قبل خمسين عاماً. ويشير تجاوز السحب نسبة ١٠٠٪ من الموارد المائية المتجددة المتاحة إلى أن سوريا تعتمد على استنزاف المياه الجوفية أو الموارد غير المتجددة أو المياه المعاد استخدامها لتلبية الطلب الحالي. وتقدّر مصادر مستقلة حصة الزراعة من إجمالي استخدام المياه في سوريا بنحو ٨٧٪ إلى ٨٨٪. كما تفاقم الجفاف أزمة المياه السورية. ففي شمال شرق سوريا، أفادت التقارير بأن ثلاث موجات جفاف كبرى بين عامي ٢٠٠٦ و٢٠٢١ أدت إلى استنزاف نحو ٦٠٪ من احتياطيات المياه الجوفية. وشهد شمال وشرق سوريا انخفاضاً في معدلات هطول الأمطار وصل إلى ٤٠٪ مقارنةً بالمتوسطات التاريخية خلال العقدين الماضيين. وتشير هذه المؤشرات إلى أن تجدد احتياطيات المياه الجوفية أصبح أكثر صعوبة، في الوقت الذي يواصل فيه القطاع الزراعي سحب كميات غير مستدامة من المياه سنوياً.

وتُسهم تكاليف الضخ المنخفضة حالياً في الإفراط في استخراج المياه في محافظة درعا، بما يقدم نموذجاً مصغراً للآلية نفسها. فقد تلقت درعا ١٥١ ملم فقط من الأمطار خلال عام ٢٠٢٥، مقارنةً بـ٢٩٣٫٥ ملم في عام ٢٠٢٤. ويقدّر عبد الرحمن شريدة، خبير الهيدرولوجيا النظيرية من المحافظة، وجود أكثر من ٥٠،٠٠٠ بئر غير مرخصة تسهم في انخفاض مستويات المياه الجوفية في أنحاء المنطقة. ويعزو جزءاً كبيراً من التسارع الأخير في الاستنزاف إلى عامل محدد هو الطاقة الشمسية، التي أصبحت "مصدر طاقة متاحاً بسهولة وأقل تكلفة لتشغيل مضخات الآبار"، وهو ما "ساهم في زيادة غير مسبوقة في هذا الاستنزاف، وأوصلنا إلى هذا الوضع الكارثي". ويوضح هذا المثال الحافز الأساسي نفسه الذي تخلقه الكهرباء المدعومة: فخفض التكلفة الهامشية لضخ المياه قد يشجع على زيادة استخراج المياه الجوفية، خصوصاً عندما يكون تنظيم الآبار ضعيفاً. ويرى شريدة أن أحد الحلول لأزمة المياه في درعا يتمثل في تغيير أنماط المحاصيل، عبر تشجيع المزارعين على الابتعاد عن المحاصيل الأساسية كثيفة الاستهلاك للمياه، مثل الطماطم والبطاطا، والتوجه إلى محاصيل أعلى قيمة وأقل استهلاكاً للمياه، "للحفاظ على ما تبقى من المياه".

ولا تعني هذه الدروس أن على دمشق رفض تقديم الدعم للمزارعين، بل إن أشكال المساعدة المختلفة لا تنطوي على المستوى نفسه من المخاطر. فلم تكن الآثار الضارة للكهرباء المجانية في البنجاب أو دعم الديزل في سوريا نتيجة تصرف المزارعين بصورة سيئة، بل العكس: لقد كانت نتيجة تصرفهم بصورة عقلانية. فدعم مدخلات الإنتاج يخفض إشارة السعر، ما يدفع المزارعين إلى استخدام كمية أكبر من المورد مقارنةً بما كانوا سيستخدمونه في ظل أسعار السوق. وعندما يكون هذا المورد نادراً، كما هي الحال بالنسبة إلى المياه في سوريا، فإن الفائدة قصيرة الأجل التي يحققها دعم دخل المزارعين تأتي على حساب الاستدامة الاقتصادية طويلة الأجل. وسواء ظهرت التكلفة أولاً في صورة عجز في الموازنة أو أزمة مياه، فإن الدولة هي التي ستدفع الثمن في نهاية المطاف — وبخلاف تعديل سعر شراء المحاصيل، سيكون من الأصعب بكثير التنبؤ بحجم التكلفة المالية النهائية.

وإذا رأت الحكومة السورية ضرورة تقديم تنازلات إضافية للمزارعين تتجاوز زيادة أسعار الشراء، فعليها أن تتجه إلى آليات تدعم دخل المزارعين والاستثمار في الإنتاجية الزراعية من دون تفضيل مدخلات إنتاج محددة. ويمكن أن تشمل هذه الآليات مخصصات ثابتة لكل هكتار، أو — نظراً إلى محدودية تسجيل ملكيات وحيازات الأراضي — قروضاً أو دفعات مقدمة مرتبطة بكميات القمح التي سلّمها المزارع في المواسم السابقة. ومن شأن هذه الأدوات أن توفر دعماً محايداً تجاه نوع المدخلات، وأن تساعد في تمويل استثمارات تعزز الإنتاجية. وإذا قررت دمشق تقديم دعم مباشر للكهرباء أو الديزل للمزارعين، فينبغي أن تفضّل المدفوعات المقطوعة أو المساعدات العينية على الإعانات التي تزداد قيمتها مع زيادة استخدام المدخلات. وتبين الأبحاث الميدانية في المكسيك أن فصل الدعم عن حجم الاستهلاك بهذه الطريقة — أي الانتقال من إعانات تتناسب مع الاستهلاك إلى مدفوعات مقطوعة — يؤدي إلى خفض في استخراج المياه الجوفية مماثل تقريباً لما ينتج عن إلغاء الدعم بالكامل، مع تقليل التداعيات السياسية غير المرغوبة. وقد توصل اقتصاديون في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى نتيجة متسقة من منظور أوسع، إذ صنفوا دعم أسعار السوق والمدفوعات القائمة على الاستخدام غير المقيد للمدخلات المتغيرة باعتبارها من أكثر أشكال الدعم الزراعي ضرراً بالبيئة، بينما اعتبروا المدفوعات المنفصلة عن الإنتاج والاستهلاك الأقل ضرراً.

لقد دفعت دمشق بالفعل ثمناً سياسياً مقابل التراجع عن سياسات دعم الديزل والكهرباء غير المستدامة. وإعادة هذه السياسات إلى القطاع الزراعي لن تؤدي فقط إلى إلغاء الوفورات المالية التي تحققت، بل ستسرّع أيضاً من وتيرة استخدام المياه غير المستدام أصلاً في سوريا، وستبعث برسالة إلى المزارعين وإلى جميع الأطراف التي تراقب أداء الحكومة الانتقالية بشأن كيفية تعاملها مع الضغوط السياسية: وهي أن الإصلاح يتراجع عندما يواجه المعارضة. وبينما تبحث الحكومة السورية عن آليات لدعم قطاعها الزراعي الذي يسعى إلى التعافي، ينبغي لها أن تفضل السياسات التي لا تشوه عمل الأسواق ولا تكافئ المزارعين على استهلاك المزيد من المياه والوقود والعملات الأجنبية، وهي موارد لا تستطيع سوريا تحمّل المزيد من خسارتها.

نوع المنشور

مقال على الموقع